أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

293

التوحيد

أن الحق ) أي اللّه يعني ذاته ( سبحانه وتعالى هو الوجود ) المحض المنزه عن قيود الماهيات كلها المحسوسات والمعقولات وليس له تعالى ماهية أصلا غير الوجود المحض ، لأنه لو كان له تعالى ماهية غير الوجود المحض لزم ثلاثة أمور مستحيلة عليه تعالى . الأمر الأول : لزم أن يكون مركبا سبحانه من ماهية هي خاصة به تعالى ومن وجود هو عام له تعالى ولغيره وكل مركب من خاص وعام حادث والحدوث عليه تعالى محال . والأمر الثاني : لزم أن تكون ماهيته تعالى مفتقرة إلى الوجود إذ هي غير الوجود وكل مفتقر إلى الوجود حادث الحدوث عليه تعالى محال . والأمر الثالث : لزم أنه تعالى يشابه الحوادث لأن الحوادث كلها ماهيات متصفة بالوجود وهو تعالى لا يشابه شيئا من الحوادث لأن مشابه الحوادث حادث . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) المحض الذي هو الحق تعالى ( ليس له شكل ) أي صورة محسوسة أو معقولة ( ولا حدّ ) أي مقدار لأن ذلك غير الوجود المحض ولو كان له شيء من ذلك من حيث ذاته لكان له ماهية غير الوجود المحض فلزمت الأمور الثلاثة التي ذكرناها وذلك على اللّه محال ( ومع هذا ) أي مع كونه ليس له شكل ولا حدّ ( ظهر ) سبحانه وتعالى للعقل والحس ( وتجلى ) أي انكشف لهما ( بالشكل ) أي بكل شكل ( والحد ) أي كل حد ( ولم يتغير ) سبحانه وتعالى ( عما كان عليه ) أزلا ( من عدم الشكل و ) عدم ( الحد ) وذلك لأن كل شكل وكل حد تقديره تعالى الذي قدره ، وتصويره الذي صوره ، والمقدر إذا ظهر بالشيء الذي قدره ، والمصور إذا ظهر بالصورة التي صورها لا يتغير هو في نفسه عما هو عليه من قبل من عدم تلك الصورة التي صورها كما قال تعالى هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ ومعنى الخالق المقدر قال تعالى وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( بل هو ) تعالى ( الآن ) بعد تقديره المقدرات وتصويره المصورات التي هي مجموع العوالم المحسوسة والمعقولة ( كما كان ) في الأزل ولا شيء لأن التغير عليه تعالى محال فهو الذي يغير كل شيء ولا يتغير هو في نفسه . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) المحض الذي هو الحق تعالى ( واحد ) في ذاته ، فذاته محض الوجود ولا يتصور تعدد في الوجود ، لأنه ماهية واحدة ، وإنما المتعدد هو الماهيات الكثيرة المعقولة والمحسوسة التي هي مقدراته ومصوراته في